????????????????????????????????????

“الأم والمعلّمة” وحقوق المعلّمين مقال للأستاذ أنطوان الخوري طوق في جريدة النهار

????????????????????????????????????

“إنّ تحديد قيمة الأجر يجب الّا يُترك أمره للمضاربة الحرة ولا لمزاجية الأقوياء، بل يجب أن يُطبَّق وفقاً للعدل والانصاف وإن العدالة الاجتماعية تفرض على التطور الاجتماعي ان يواكب التطور الاقتصادي، وان ازدهار شعب ما، هو نتيجة توزيع الثروات والخيرات توزيعاً عادلاً” (من رسالة قداسة البابا يوحنا الثالث والعشرين “أم ومعلمة” سنة 1961)، “إن حالة الانسان اليوم تبتعد على ما يبدو عما تطلبه العدالة” (قداسة البابا يوحنا بولس الثاني، رسالة الفادي 1979).

انطلاقاً من مفهوم الكنيسة، “أمّ ومعلّمة”، كم كان من المستحب ان تعلو الأصوات الكنسيّة مطالِبةً بحقوق العمال والموظفين والمعلمين والمهمّشين وكل المسحوقين بالغلاء والفقر والعنف والداشرين في ربوع هذا الوطن، ومدافِعةً عنهم.

وكم هو مستحبّ أن تستبق الكنيسةُ السلطةَ الزمنية المتمثلة بالدولة، في المطالبة بالكتاب والرغيف والدواء والمسكن والعمل والرخاء لجميع اللبنانيين عبر الاحتجاج على المظالم الاجتماعية والفوارق الطبقية وانعدام تكافؤ الفرص بدلاً من الاحتجاج بحدة وغضب على اقرار سلسلة الرتب والرواتب ووحدة التشريع بين القطاعين العام والخاص وتصحيح أجور المعلمين في القطاع الخاص المجمدّة منذ التسعينات، وذلك في ظلّ ضائقة اقتصادية خانقة وارتفاع أكلاف التعليم والمعيشة، وفي ظل النزوح الكبير من الجبال والاطراف في اتجاه السواحل بسبب كساد المواسم الزراعية وانعدام فرص العمل وهجرة الكفاءات الشابة الى الخارج.

فرسالة “الأم المعلمة” تقتضي من الكنيسة ان تجعل من تحسين ظروف العيش للبنانيين وحقهم في الثقافة والتعليم، قضيتها المركزية الكبرى لأن كنيسة المسيح من بشر وليست من حجر، ولأن الانسان هو حبيب الله وموضوع افتدائه، كما هو الهيكل الأثمن، على ما يقول القديس يوحنا فم الذهب. بذلك تكون الكنيسة أمينةً لأدبياتها ونصوصها المجمعية التي تعلن فيها انها “لن تكون كنيسة الصمت او الكنيسة الصامتة، بل كنيسة الحقيقة، كنيسة النبوءة، فلا تساوم على الشر ولا تهاب الظلم ولا تسكت على الطغيان… ولن تتضامن مع جميع الذين مهما علا شأنهم ومركزهم ووظيفتهم، او الذين يتبنون مواقف ويدافعون عن قيم ووسائل فيها استغلال للفقراء والضعفاء والمحتاجين بل ستقف في وجههم” (نصّ الكنيسة والشأن الاجتماعي).

لعلّه من بديهي الأمور، الإقرار بفضل المدارس الكاثوليكية على جودة التعليم ونوعيته في لبنان والجوار، وعلى نشر الثقافة والمعرفة في لبنان، إضافةَ الى الدور الحداثي والطليعي الذي لعبته هذه المدارس في بزوغ عصر النهضة والانوار في القرون الثلاثة الماضية، وفي نشر الافكار الليبيرالية، واقامة التثاقف الخلاّق بين الشرق والغرب، وفي الحفاظ على التعدد والتنوع الثقافي في لبنان، الى جانب الحفاظ على اللغة العربية وحمايتها من التتريك ونشرها في بلدان الانتشار. كما لا بد من الاعتراف بفضل هذه المدارس على الخصوصية اللبنانية، وعلى تظهير الكيان اللبناني وتثبيته، وعلى الدور الاستقلالي الذي لعبته مع الكنيسة في مناهضة الوصايات والاحتلالات التي عرفها لبنان عبر تاريخه القديم والحديث.

فالكنيسة المارونية كانت عبر تاريخها رائدة في مجال انماء مجتمعها وترقّيه، فعمدت الى نشر التعليم منذ انشاء المدرسة المارونية في روما عام 1584، كما أقرّت التعليم الالزاميّ المجاني للفتيان والفتيات في المجمع اللبناني المنعقد سنة 1736، وذلك قبل الثورة الفرنسية والمطالبات الحديثة بتعليم البنات، كما أجبرت كل دير ان ينشئ مدرسته الخاصة، فكانت مدرسة تحت السنديانة مع كهنة الرعايا. كما أنّ تبنّيها لمفهومَيّ العدالة الطبيعية والعدالة الاجتماعية، كان في اساس دعوة الافراد والمؤسسات الكنسية والمدنية للعمل على تحقيق العدالة للجميع، وخصوصاً الفقراء والمحتاجين والمعوزين، أخوة المسيح الصغار الذين لهم الافضلية. فالعدالة “لا تكتمل الّا بترافقها مع ترقّي الانسان، والترقي مفهوم مسيحي يرتكز على النمو الاقتصادي والانماء الاجتماعي ليتخطاهما الى ما هو ارفع واسمى للانسان إذ يقوده نحو كمال الله” (نص روحانية العمل المؤسّساتي في الكنيسة المارونية).

إنطلاقاَ من هذا الدور في الترقي والتضامن والعدالة، لم يعد من الجائز الاحتجاج بانفعال عند رفع أيّ مطلب محق، ولا يجوز رفض تصحيح أجور المعلمين في القطاع الخاص ولا التهديد برفع الاقساط بنسب كبيرة او بإقفال المدارس، من دون التنكر لما يتركه تصحيح الاجور من أعباء وأكلاف على إدارات المدارس. ولكن، بمجرّد أن تتحول الكنيسة إلى ربّ عمل، وان يتحول المعلمون الى أجراء، ومن ثم الى حركة شعبية احتجاجية تقف في وجه الكنيسة وهي تناضل لتحصيل حقوقها الشعبية، فإن ذلك يعتبر علامة من علامات الازمنة الرديئة، مما يفقد الكنيسة بعدها النبويّ والرسوليّ، فيتغلب الماديّ والآنيّ والمرحليّ على الروحيّ والاستراتيجيّ والاستشرافيّ: “فالمستوى المعيشيّ لا يتحدّد فقط بقيمة الدخل، بل بقدرة الفرد على تأمين الحاجات الضرورية والاساسية للعيش بكرامة بعيداً عن العوز والتقتير، وعلى هذا المستوى تدخل الخدمات والضمانات التي يقدمها المجتمع من تطبيب مجانيّ وتعليم مجاني وتقديمات للسكن وتسهيل للمواصلات وهذه أمور شبه مفقودة أو عديمة الفعاليّة في لبنان” (نص الكنيسة والشأن الاجتماعي).

ففي ظل زيادة الاقساط، تبرز المخاوف من أن تتحول المدارس الكاثوليكية خادمةً للميسورين والأغنياء وأولاد الذوات. كما تبرز مخاوف التعامل مع مدارس الأطراف مثل تعامل الدولة مع القرى والبلدات النائية في فهمها للانماء. اذ تنحصر الجهود التربوية والوسائل والانشطة والتجهيزات الحديثة في كبريات المدن. كذلك فإن رفض وحدة التشريع يهدد بوضع ادارات المدارس في صفّ جمعيات التجار والصناعيين الذين يصابون بالهلع عند أي مطالبة بتصحيح الوضع المعيشي خوفاَ على ارباحهم.

يُروى عن المطران يوسف الدبس، مؤسس “مدرسة الحكمة”، انه غضب غضباً شديداً عندما أطلعه مدير المدرسة على أرباح السنة الدراسية التي بلغت ثلاث ليرات ذهبيّة ،إذ قال له بأنه أسّس المدرسة لخدمة التربية والتعليم لا للربح.

كذلك فإنّ تزايد الأعباء الاقتصادية ولا ىسيّما في بلد مثل لبنان يرزح تحت مديونيّة عامّة كبيرة ويعاني من فساد مستشرٍ في جميع مرافق الدولة، يحتمّ على المدارس الكاثوليكية أن تكون رائدة وخلّاقة في اجتراح الحلول ومواجهة التحديات بروحٍ انجيليّة، بحيث تتمّم رسالتها الانسانية بتعليم كلّ الناس ولا سيّما الفقراء منهم من دون المساومة على جودة التعليم والخدمات المرافقة لها. كما تتطلّب مواجهة هذه التحدّيات خططاً استراتيجيّةً وتعاوناً وتنسيقاً بين الإدارات والمعلّمين والتلاميذ وأوليائهم والمجتمع الأهليّ وصناديق الدعم والأوقاف والهيئات المانحة. فالحلول الكلاسيكيّة لإشكالية من هذا النوع، لم تعد نافعة. كما أنّ التذرّع بالأعباء الماليّة لحرمان المعلّمين من حقوقهم وحرمان ذوي الدخل المحدود من الانتساب الى هذه المدارس، لم يعد مقنعاً، ولا سيّما في ظلّ تعثّر المدرسة الرسميّة في المرحلتين الابتدائية والمتوسّطة.

فالكنيسة في تاريخها كانت تأمر الآباء بسوق أبنائهم الى المدرسة ولو مكرهين، “وإن كانوا أيتاماً أو فقراء فلتقدّم الكنيسة أو الدير ضرورات القوت، وفي حال تعذّر الكنيسة أو الدير يُجمع لهم في كل يوم أحد من صدقات المؤمنين ما يفي بمعاشهم… أمّا أجرة المعلّم فيترتّب جزء منها على الكنيسة أو الدير (شرط ألّا يكون المعلّم راهباً من رهبانه) والجزء الآخر يقوم بدفعه آباء الأولاد” (نصّ روحانية العمل المؤسّساتي في الكنيسة المارونية).

لذلك، فإن ما جرى للأب ناجي أبي سلّوم، مدير مدرسة سيّدة ميفوق، من اجراءات تأديبيّة بسبب رفضه زيادة القسط المدرسي، لم يلق صدىً ايجابيّاً في أوساط الأهالي والرأي العام. ربما يكون الاب أبو سلوم قد أخطأ بتجاوز مرجعيّته الرهبانيّة، لكنّ خطوة اقالته من ادارة المدرسة قد دلّت على غضبٍ وكيديّة وعدم قابليّة لتدبير الأمور على طريقة “الامّ المعلّمة”. في هذا السياق، تستطيع الأمانة العامّة للمدارس الكاثوليكية، وبضغطٍ من الأهالي، الطلب من الدولة زيادة دعم المدارس المجانية حتى تستطيع متابعة رسالتها.

فالكنيسة التي أخذت على عاتقها أن تكون “الضمير المنبّه” و”الفكر الناقد” و”الصوت الصارخ” في حمل لواء العدالة الاجتماعية، لا يليق بها الا ان تحمل لواء الدفاع عن الانسان، كلّ انسان، وكل الانسان في بعديه المادي والروحي، هذا الانسان التوّاق الى الحرية والتحرّر والحقيقة والعيش بكرامة، فتمثّل بذلك رجاء المقهورين والفقراء بالمعنى الانجيلي للكلمة. وفي هذا الاطار يقول البابا يوحنا بولس الثاني، إن “التضامن ليس شعوراً بتعاطف مُبهم أو بتحنّن سطحي ازاء الشّرور التي يعاني منها أشخاص عديدون قريبون أو بعيدون، بل انّه العزم الثابت والدائم على العمل من اجل الخير العام، أي من أجل خير الكلّ وكلّ فرد لأننا جميعاً مسؤولون حقّاً عن الجميع” (رسالة الفادي 1979).

كما أنّ الرسالة العامّة الرابعة الصادرة عن غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي في آذار سنة 2015 تحت عنوان “مذكرة اقتصاديّة، اقتصاد لمستقبل لبنان”، تنتقد ما سمّته الريعية والارباح العالية الناجمة عن الفوائد المرتفعة وانقسام المجتمع الى طبقة غنيّة تزداد غنىً وطبقة فقيرة تزداد فقراً، “فالاقتصاد الذي يخدم مصالح رأس المال فقط لا يمكنه أن يكون عنصراً بنّاءً على الصعيد الاجتماعيّ لأنّه لن يسهم في احترام مبدأ “خيرات الأرض معدّة للجميع” وفي مقدّمها حقّ الفقراء، مثل هذا الاقتصاد وصفه البابا فرنسيس بأنّه اقتصاد اقصائي متوحّش”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*