“لبيروت نزداد عشقاً ”   للدكتور هاشم الأيّوبي

 

لعشق بيروت عبقُ بخورٍ لا تعرفه المجامر

ولدمعة الحزن في عيون عاشقيها لونٌ لا تعرفه الألوان

في مطلع شبابنا ومطلع شبابها جئناها من كلّ المدن والقرى والدساكر ممتلئين بشغف الطموح لكلّ جديد .

لم تسألْ واحداً منّا : مَن أنت ، ومن أين اتيت ؟

هذا فضائي الجميل ، فحلّقوا فيه ما استطاعت أجنحتكم أن تحلّق : شِعراً وحُبّاً وحرّيةً ودهشة اكتشاف !

لا حدود عندي للعطاء ، لمن يعرف سموّ العطاء

لا حدود عندي للانعتاق لمن يعرف بهجة الانعتاق وقداسته .

في شوارعها القديمة والحديثة ، في مقاهيها الشعبيّة والعصريّة كانت تتوسّع عوالمنا البريئة . على مقاعد الجامعة تتفتّح عندنا آفاق جديدة من المعرفة  . في كافيتريا الجامعة يتكامل الموقف مع تفككٍ من بعض ما يفرضه الصفّ من قيود وحدود .

كلّ ذلك يترسخ في وجدان الذاكرة ويزيد العاشقين عشقاً لبيروت .

من حقّ الأجيال بعدنا أن تغبطنا لأنّنا عشنا زهوة عمرنا مع زهوة عمر بيروت ، ومن حقّنا أن لا ننكر ذلك .

ثمّ توطّن الألم طويلاً في عيوننا ، حين رأينا بيروت مقطّعة الأوصال في حرب أهليّة عبثيّة ، ورأينا وجهها مصبوغاً بالدم والدخان الأسود ، ورأينا أبنيتها ركاماً وساحاتها مهجورة وقد نبت فيها عشب برّيّ لا يشبه الأعشاب  ، ومعالم الذكريات موحشة حتّى الموت .

ولم يزدنا الألم إلاّ حبّاً ببيروت .

ولم نصدّق أعيننا حين رأيناها تلبس ثوب عرسها من جديد ، تشعّ الحياة من عينيها ، والبسمة تعلو وجهها الجميل . واستراح عشّاقها وزوّارها من جديد في مقاهيها وساحاتها ، في جامعاتها ونواديها . عاشت بيروت حلماً أصبح حقيقة ، وعاد الكلام من جديد على أسطورة طائر الفينيق .

ثمّ كان صيف 1982 ، واخترق العدو جسد الوطن ليصل إلى قلب الوطن ، بيروت . وكان صيف طويل من الحصار والموت ، من النار والدخان والدمار ، من الحقد  والحرّ والعطش  ومن البطولة والعناد  . وبقيت بيروت وحدها في العراء صامدة مكابرة على جراحها .

في ليلها الدامس غنّينا : ” بيروت نجمتنا ” وبين زئير الموت هتفنا : ” صامدون هنا ”

وعلى ضوء القنابل كان ” ايّوب ” يمرّ ليلاً ويكتب على متاريس المدافعين عن بيروت شعارات التحيّة والصمود .

زادنا الحصار التصاقاً بها حتّى تراءى لنا أنّ نبض قلوبنا يسير على وقع خفقات قلبها.

وحين اجتاحتها غدراً دبابات العدوّ الصهيونيّ لم ترفع بيروت راية بيضاء ، وهرع أبناؤها إلى سلاحهم يطاردون جنود المحتلّ ودباباته مطلقين خطوة التحرير لبيروت ولكلّ أرض الوطن .

وقفت بيروت بعد الحصار والتحرير مثخنة بالجراح ولكنها شامخة الرأس وضّاحة الجبين .

لم تُكافأ سيّدة العواصم وأميرة المدن  بوردة أو سلام . هاجمتها قبائل الجاهليّة وعصابات ” الزنج ” مرّات ومرّات  تطعنها بالخناجر المسمومة  وتغرز في عنقها الحراب ، ثمّ تجثم شهوراً طويلة فوق صدرها لتحبس أنفاسها وتطفئ البريق في عينيها الجميلتين .

وكانت بيروت قد فجعت باغتيال أحلامها حين اغتالوا صانع هذه الأحلام الّذي أعاد لبيروت وجهها الحضاريّ الّذي أطلّت به على العالَم بكلّ زهوٍ واعتزاز .

كانت بيروت يوم الرابع من آب 2020 تتذكر باعتزاز يوم الرابع من آب 1982 يوم ذاق العدوّ الصهيوني المحاصر لبيروت طعم الهزيمة في معركة المتحف على أيدي أبنائها المرابطين على ثغورها ، وكانت تطلب الرحمة لأرواح  شهدائها حين وقعت الفاجعة .

سمِّ ذلك ما تشاء : سمّه انفجاراً ، متعمّداً أو غير متعمّد ، سمّه زلزالاً ، سمّه ما تشاء فإنّه  الفجيعة . الفجيعة الّتي حوّلت بيروت خراباً يباباً .

تستطيع آلات التصوير الحديثة أن تخرج آلاف الصور ، وتستطيع الأقمار الصناعية أن تلتقط أدقّ التفاصيل  ، ولكنّ ما تراه أعين العاشقين وما تنقله إلى عصب المشاعر ونبضات القلب ، يبقى الأصفى والأصدق والأعمق لما يمكن أن يُنقل من صور ومشاهد لبيروت .

لم أكن أتخيّل أنّي أستطيع تحمّل هذه المشاهد ، وأنا أسير بين ركامها ، بل قل بين ركامنا .

لكنّ شعوراً بدأ يغمر كياني وسط هذا الذهول ، والتمعت  عند مدار الأفق نجوم  لفجر لا أراه بعيداً .

رأيتُ عشّاقاً جدداً لبيروت ، في مطالع العمر ، جاؤوا ، كما جئنا في مطالع عمرنا ، من كلّ المدن والقرى والدساكر ، ولكن ليرفعوا أنقاض عاصمتهم وليزيلوا ركامها ويجمعوا حجارتها ليبنوا بيروت من جديد .

تذكّرت نساء هامبورغ ، حين كانت مدينتهم ركاماً بعد الحرب العالميّة الثانية وكيف جمعن حجار المدينة لتبنى هامبورغ الجديدة أبهى وأجمل .

كنتُ أمسك بأيدي أطفالي الذين لم يعرفوا بيروت إلاّ بعد الحروب التي أثخنت جسدها بالجراح ، وأدلّهم على معالمها وكيف كانت ، وكيف جاء والدهم إليها أواسط الستينيات ، وهي في أوج زهوتها ، وكيف كان يسير في شوارعها مستكشفاً لا يعرف أسماء المناطق ، بل يعرف أنها أحياء من بيروت يعقد معها صداقة ومحبة لا تنتهيان .

هذا الشعور الذي منحني إيّاه عشاق بيروت الجدد جعلني أطمح أن أرى نفسي أمسك بأيدي أحفادي الأحبّة شانيز وهاشم وعمر وأسير معهم في شوارع بيروت ، ولا يتعبني المسير،  وأدلهم على أحيائها ومعالمها التي لم يعرفوها وأروي لهم ملحمة طائر الفينيق وملحمة بيروت .

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com