رائحة الجوّ في الفيحاء حريق كوتشوك: شمّ ولا تعتل همّ، التلوّث صار بالدم!

طوني فرنجية-النهار

غيض من فيض ما جاء على صفحات التواصل الاجتماعي عارضاً للواقع البيئي الأليم الذي تعيشه طرابلس بشكل شبه يومي، إما من جرّاء إحراق الدواليب لسحب النحاس منها وبيعة ولو كلّف ذلك اختناق العديد من أبناء المدينة وسكانها، أو من جرّاء إحراق النفايات المنتشرة هنا وهناك والتي ينقل الدخان سمومها إلى كل سماء الفيحاء، إضافة إلى الحرائق الجوّالة جرّاء موجة الحرّ، والمتنقلة بين زيتون أبي سمراء ورأسمسقا والبحصاص، إلى السقي وقصبه وأعشابه اليابسة.

تعرّضت طرابلس يوم الإثنين لاجتياح كثيف من الدخان الأسود الذي خيّم على أجوائها، ولوّث هواءها، وتسبّب بحالات اختناق لكثيرين ممن يعانون من أمراض في الجهاز التنفسي، ودفع المواطنين إلى إغلاق نوافذهم والتزام بيوتهم في ظل درجة حرارة مرتفعة ضاعف منها انقطاع التيار الكهربائي، فارتفعت صرخات المواطنين مستنكرة ومستهجنة ما يتعرّضون له، واشتعلت مواقع التواصل غضباً مطالبةً الأجهزة الأمنية بالتدخل لوقف المهزلة البيئية التي تحصل، لكن الأمور بقيت على حالها وامتدّ الدخان والسموم التي يحملها من ساعات الغروب إلى ساعات الفجر، فيما أبناء طرابلس في الملولة والتبانة والزاهرية والتل والمئتين وأبي سمراء وباب الحديد والقبة، وصولاً إلى الميناء، يعانون الأمرّين جرّاء هذا التلوث الذي لم يتمكّن أحد من أن يضع له حدّاً.

اللافت أن محافظ الشمال رمزي نهرا، كان قد أعطى توجيهات إلى قيادة قوى الأمن الداخلي عدة مرات بضرورة قمع ظاهرة حرق الدواليب في سقي طرابلس وتوقيف الفاعلين إلى أي جهة انتموا وإحالتهم إلى القضاء المختص، لكن ذلك لم يمنع عمليات الحرق التي استمرت وسط عجز رسمي تامّ.

بيئة طرابلس تُنتهك وسط صمت رسمي وسكون مريب، ما يطرح أكثر من علامة استفهام، وفق وسائل التواصل الاجتماعي، عن المستفيد المحمي من كل شرّ، وعن المغطّي الذي لا يأبه لقتل الأطفال والنساء والشيوخ. ويبقى السؤال الأبرز: إلى متى وإلى أين؟

وإلى ذلك سلسلة تساؤلات أخرى، هل قرار المحافظ نهرا كان جدياً؟ أم أن التقصير هو من قوى الأمن الداخلي التي لم تقم بواجباتها في قمع المخالفات ما جعل أصحاب محارق الدواليب يستقوون على الدولة ويستبيحون بيئة وسلامة المدينة؟ ثم أين بلدية طرابلس التي من المفترض أن تتحرك لقمع كل تلك المظاهر؟ وأين شرطتها والمهام الموكلة إليها؟ وأين الدائرة الصحية فيها؟ وكيف تُترك المدينة لدخان الحرائق من دواليب ونفايات وبضائع في نهر أبو علي من دون أن تتخذ الجهات المعنية تدابير صارمة لحماية الطرابلسيين من السموم التي تستوطن أجسادهم؟ ولماذا كل هذا الإهمال والاستهتار بسلامة وحياة المواطنين؟ ومن يتحمل المسؤولية؟

ما حصل بالأمس يؤكد أن هناك تقصيراً فاضحاً من الأجهزة الإدارية والأمنية والبلدية في طرابلس حيال ما يجري من ضرب بيئة المدينة على كل صعيد، أو أن يكون أصحاب المحارق القائمة في سقي طرابلس أقوى من الدولة وقراراتها وأجهزتها الأمنية.

هذا الواقع المؤلم دفع الكثير من أبناء طرابلس إلى مناشدة وزيرة الداخلية ريا الحسن الضرب بيد من حديد لوقف الجرائم البيئية وغير البيئية بحق طرابلس، ومعاقبة ومحاسبة كل المقصّرين عن القيام بواجباتهم تجاه المدينة وأهلها.

وفي السياق نفسه عقدت الهيئة الادارية لجمعية كشاف البيئة، اجتماعا في مقرها العام في الميناء طرابلس، وعرضت لبعض المشكلات البيئية، لا سيما حرق الإطارات المطاطية في سقي طرابلس الشمالي.

واستنكر المجتمعون التعدي الفاضح والجرائم المستمرة في حق البيئة والإنسان من خلال الإنبعاثات الصادرة عن الحرق المستمر منذ فترة للاطارات المطاطية في المدينة.

ولفت أمين السر العام للجمعية مراد عبوشي إلى أن العديد من الدراسات تؤكد أن الغازات الناتجة عن حرق الإطارات في الشوارع والأحياء السكنية، تتسبب في العديد من الأمراض وأبرزها سرطان الرئة والأمراض التنفسية وانقباض الصدر وضيق القصبات الهوائية، وأجمع الأطباء على أن الغازات السامة المنبعثة من حرق الإطارات تؤثر سلبا على الصحة العامة، مشيرا إلى أن ما يحدث في مدينة طرابلس جهاراً ونهاراً من حرق للاطارات المطاطية للمنفعة المادية لبعض الأشخاص، يؤدي إلى الإضرار بصحة أهل المدينة عموما وإضافة كارثة صحية وبيئية جديدة على المدينة التي تعاني أصلا من تدهور بيئي كبير، مؤكدا أن هذا الأمر يدفعنا للاستنكار وعدم السكوت عن هذه الجرائم والمطالبة بالتحرك فورا لوقف هذه الأعمال، حفاظا على صحة المواطن وعلى البيئة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: غير مخصص للنسخ